محمد أبو زهرة
400
المعجزة الكبرى القرآن
( ب ) أنهم الذين شاهدوا أسباب النزول ، وعلموا في أي موضع نزلت آي الكتاب الكريم ، وأسباب نزولها ، ولا شك أن أسباب النزول طريق معبد لفهم الكثير من الآيات الكريمات ، لأن أول ما ينطبق عليه المعنى للآية القرآنية هو ما كان سببا لنزولها ، ثم يعمم الحكم بعموم اللفظ ، جريا على قول الفقهاء في محكم قواعدهم ( العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ) . ( ج ) وإن الصحابة أعلم الناس بمعانى الألفاظ القرآنية من العرب ، ومن أعلم الناس بلغة العرب ، وما يكون غريبا بالنسبة لنا ، لا يكون غريبا بالنسبة لهم ، والألفاظ معروفة معانيها لهم . وإن المتتبع للمأثور عن الصحابة في تفسير القرآن الكريم يرى الرائي بادي النظر أنه قسمان : أحدهما : ما اعتمد فيه على المأثور عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا يكون سنة نبوية وتفسيرا للنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ولا مجال للريب في نسبته إذا كان السند إلى الصحابي صحيحا ، وذلك في تفسير الآيات التي ليس للرأي فيه مجال ، فتفسيرهم يكون حديثا إذا نسبوه مرفوعا للنبي عليه الصلاة والسلام ، ويكون موقوفا إذا لم يسندوه للنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ولكن لا يمكن أن يكون للعقل فيها مجال ، ولا يمكن أن يقولوا في موضع لا مجال للعقل فيه إلا بقول المبلغ صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، آخذين بقوله تعالى : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا ( 36 ) [ الإسراء : 36 ] . والقسم الثاني : ما يكون للرأي فيه مجال ولا يسندونه للنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، بل هو مجرد الرأي منهم وإنهم في هذا قد يختلفون ، وذلك في بعض الأحكام الفقهية التي لم يرد فيها نص من الكتاب ببيان الحكم ، ومن ذلك قولهم في عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا ، فقد اختلف الصحابة في تفسير آيات العدة ، ففريق منهم ، وعلى رأسهم علي بن أبي طالب أعمل الآيتين الواردتين وهما قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [ البقرة : 234 ] ، والآية الثانية هي قوله تعالى في سورة الطلاق : وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [ الطلاق : 4 ] . فقال هذا الفريق من فقهاء الصحابة أنها تعتد بأبعد الأجلين أي تعتد بوضع الحمل إذا كان بعد مضى أربعة أشهر وعشر ، وتعتد بالأشهر إذا كان وضع الحمل قبل انتهاء المدة .